عبد الكريم الخطيب

959

التفسير القرآنى للقرآن

الإنسان ، حين ينتقل إلى الدار الآخرة ، حيث يشهد الوجود على غير ما يقع لحواسه ومدركاته وهو في هذه الدنيا . وهذا يعنى أن الإنسان بعد أن يفارق هذا الجسد ، يعود إلى عالم الرّوح ، فينطلق من أسر هذا الجسد المحدود ، ويسبح في عالم ما وراء المادة ، وهناك يرى الأرض ، والسماء غير السماء . . كما يقول سبحانه : « يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ » ( 48 : إبراهيم ) . . فهذا التبدل هو تبدّل فيما يقع على تصورات الإنسان ومدركاته ، بانتقاله من العالم المادي إلى العالم الروحي . . وإلا فإن العوالم ثابتة على ما أقامها اللّه سبحانه وتعالى ، في هذا النظام المحكم . فالأمر إذن ، ليس كما يتصور الذين أخذوا أوصاف يوم القيامة التي جاء بها القرآن ، على هذا التصور الذي تذهب به معالم الوجود كلّه ، وتنقلب أوضاع السماوات والأرض . . وكلّا ، فإن هذا الوجود العظيم ، ليس للإنسان ، ولا من أجل الإنسان ، وإنما الإنسان ذرة من ذراته ، وشئ من أشيائه . . وإن التغير والتبدل واقع عليه هو ، فتتغير لذلك مدركاته ، ويرى الوجود ، والموجودات بعين غير التي يراها عليه ، وهو في هذا الكيان المادي . . وذلك يوم يكشف هذا العطاء المادىّ ، الذي يحجب نظر الإنسان ، ويحصره في هذه الدائرة المحدودة الضيقة ، وعندئذ يرى ما لم يكن ليراه في عالمه المادىّ ، كما يقول سبحانه : « فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » ( 22 : ق ) . وإذا صحّ الحديث الذي يروى عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : « من مات فقد قامت قيامته » فهذا يعنى أن كل من مات وانتقل إلى العالم الآخر ، يرى الوجود قائما على هذه الصورة التي يصوّر فيها القرآن مشاهد القيامة ، وما يتبدل